*منجد شريف*
في اللحظات السياسية الحرجة، يميل الكثير من الكتاب والمحللين إلى إسقاط تمنياتهم على أرض الواقع، فيرسمون في مقالاتهم صوراً لـ "دولة أفلاطونية" متخيلة، ويصوّرون القرارات الدولية والعقوبات الخارجية وكأنها عصا سحرية كفيلة بإلغاء المؤسسات وإعادة بناء الجمهورية من الصفر.
لكن القراءة التاريخية والميدانية الدقيقة لواقع لبنان، منذ نشأته عام ١٩٢٠ وإلى اليوم، تؤكد أن "الدولة" بمعناها العلمي والمستقل لم تكن يوماً حقيقة ناجزة، بل كانت دائماً ريشة في مهب ريح التجاذبات الإقليمية والتغيرات الدولية.
انطلاقاً من هذا الواقع، فإن الحماس الذي يبديه البعض للعقوبات الأميركية الأخيرة التي طالت ضباطاً في المؤسسة العسكرية، واعتبارها مدخلاً لـ "معركة إسقاط الدويلات وتطهير الإدارة"، كما يظنون و يدعون و يزعمون هو حماس ينفصل عن الواقع من جهتين أساسيتين: هيبة العقوبات الدولية في زمن التحولات، وخصوصية التركيبة البنيوية للجيش اللبناني.
أولاً، في البُعد الدولي، من الواضح أننا أصبحنا في "مكان آخر" تجاوز لغة الإملاءات الأحادية.
إن الإفراط في استخدام سلاح العقوبات، وتحديداً في المرحلة الحالية التي تلت الحروب والأحداث الأخيرة في المنطقة، لم يعد يعكس قوة الإدارة الأميركية بل يظهر حدود هذه القوة. لقد انكسرت "الهيبة الردعية" للعقوبات بعد أن ثبتت عدم قدرتها على تغيير المعادلات الميدانية أو شطب القوى الممسكة بالأرض. وبناءً على ذلك، تتحول هذه العقوبات إلى دليل إدانة لسياسة واشنطن العاجزة عن الفرض، أكثر مما هي مصدر قوة للمشروع الذي تبشر به الحكومات الحالية.
ثانياً، وهو الأمر الأكثر خطورة، ما يتعلق بالحديث عن "فرز" أو "تطهير" المؤسسة العسكرية. فالجيش اللبناني هو جيشاً عقائدياً مصبوباً في قالب واحد، و هو مرآة مصغرة للتوازنات الطائفية والسياسية التي يقام عليها لبنان،لقد استمر هذا الجيش وحافظ على تماسكه طوال العقود الماضية بفضل مراعاة هذه التوازنات الدقيقة والحساسة.
الذاكرة التاريخية اللبنانية ما زالت حية، والتاريخ يعلمنا أنه عندما اهتزت التوازنات السياسية عام ١٩٧٦ و دُفع بالجيش اللبناني لاتخاذ خيارات حاسمة والاصطدام بمكونات داخلية، كانت النتيجة الفورية هي انقسام المؤسسة العسكرية، وانفراط عقدها، وتوزع قواها على خطوط التماس في الحرب الأهلية.
إن أي محاولة اليوم لفرض "فرز قسري" داخل الجيش تحت وطأة الضغوط المالية أو العقوبات الخارجية، وعزل ضباط أو وحدات بناءً على خلفياتهم أو ولاءاتهم المفترضة، لن تؤدي إلى بناء "دولة سيادية صلبة"، بل ستؤدي حتماً إلى خلل في التوازن واهتزاز البنية العسكرية من داخلها، لأن الضباط والعناصر ليسوا معزولين عن بيئاتهم الاجتماعية والسياسية.
إن معالجة الأزمة اللبنانية لا تنجح بالهروب نحو أدبيات مثالية معلقة في الهواء، ولا بالاستقواء بأدوات خارجية أثبتت التجربة انكسار هيبتها. حماية لبنان تبدأ من حماية المؤسسة العسكرية عبر الحفاظ على توازناتها الداخلية كضمانة وحيدة للسلم الأهلي، وليس عبر تحويلها إلى ساحة تصفية حسابات دولية قد تطير معها آخر ركائز الهيكل اللبناني.





